(نهضة الأمة تبدأ ببناء الإنسان)

تقديم: م. عبد الرحيم محمد خير                                 قطاع التنمية الحضارية

أولاً: تعريفات:

  • الشخص لغة هو سواد ما تراه من بعيد , واصطلاحا تدل كلمة (الشخصية) على المظهر الذي يظهر به الانسان في الوظائف المختلفة التي يقوم بها على مسرح الحياة .
  • والشخصية السودانية ذات أبعاد معقدة، فهي إسلاميه بمعنى الدين فقط والحضارة المشتركة، وهي عربية من حيث اللغة المشتركة بين الجماعات القبلية والشعوبية المختلفة، وهي أفريقية من حيث الإنتماء الجغرافي، وهي زنجية الإختلاط فهي محصلة إختلاط الحاميين (الزنوج) مع الساميين (العرب), مما جعلها تجمع بين الوحدة المتمثلة في اللغة المشتركه والإسلام كحضارة، والتعدد المتمثل في المجموعات القبلية والشعوبية وتراثها الحضاري الخاص.

ثانياً: المظاهر الفكرية والسلوكية للشخصية السودانية :
وهنا يجب التمييز بين نوعين من هذه المظاهر (الايجابية والسلبية):

  1. المظاهر الفكرية والسلوكية الإيجابية:

وهي عديدة ومصدرها القيم الحضارية العربية الإسلاميه من ناحية والقبلية والشعوبية السابقة من ناحية اخري مثل الشجاعة, الكرم, المروءة, الشهامة, العفو عند المقدرة، إحترام الأخوة، حب الحرية وكراهية الخنوع والتزلف .. الخ

2) المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية :

وهي أيضاً عديدة ومصدرها إما موروثات ثقافية وفكرية أو ضعف في البنيات الأساسية للتعليم والتربية والتنشئة الأسرية أو واقع سياسي وإقتصادي متردي أو أى عوامل ومؤثرات أخرى , وهنا نورد بعض من هذه المظاهر السالبة :

  • ضعف تجويد الأداء (لضعف المقدرات الفنية أو بسبب الإستعجال).
  • قلة الإكتراث واللامبالاة (يتذرع بالتوكل على الله دون إجتهاد منه – التواكل).
  • قلة الصبر وإستعجال النتائج (ويشترك في ذلك الأفراد والدولة).
  • العشوائية في العمل وغياب الرؤية الاستراتيجية في التخطيط.
  •  فقدان الهوية (إسلامية عربية أم إسلامية إفريقية) مما أضعف ثقته بنفسه كما أضعف روح الوطنية والإنتماء داخله.
  •  المجاملات الكثيرة ولو علی حساب العمل (ويشترك فيه الأفراد والدولة).
  •  عدم احترام وتقدير الوقت (الإحساس به أصبح شبه معدوم).
  • الكسل والخمول العقلي والعملي (مرده وفرة الموارد وقلة التحدي والتنافس).
  • التهور وتقلب المزاج (يدمر حصاد السنين في ثواني).
  • ضعف الثقة بالنفس وعدم التوازن (لا يعبر عن نفسه بتلقائية وثقة).
  • التناقض (يرفض مبدأ المحاسبة والعقاب ولا يقبل تحمل المسئولية إذا أخطأ ويبحث عن المكافأة إذا أصاب).
  • الإهتمام بالشائعات والترويج لها (الشمارات أصبحت مظهرا إجتماعيا غير مستنكر).
  • قلة الطموح (عدم الإهتمام بتطوير المقدرات الفنية والإدارية).

ثالثاً: العوامل المؤثرة على المظاهر الفكرية والسلوكية السالبة:

  1.  عوامل إجتماعية :
  2. القبلية: وهي تفرز أنماطا من التفكير والسلوك الإيجابي كالتضامن والتكافل ومساعدة الآخرين, وفي المقابل تفرز أنماطا من التفكير والسلوك السلبي: كالتدخل في شئون الغير، المجاملة، التقليد والإعتماد على الآخرين وعدم الإستقلال الشخصي، الحسد، النميمة، المحاباة.
  3.  العنصرية: ظاهرة منتشرة لدى كل الجماعات القبلية، إذ كل جماعة ترى أنها تمتاز عن غيرها. وبالتالي فإن إبقاؤها أو إلغاؤها مسئولية مشتركة، ومن مظاهرها الغرور والإستعلاء, القائم على الفخر والإمتياز على الغير كما يتضح في الغناء والشعر والأدب القبلي التقليدي، ويدعم هذه الظاهرة أنها تأخذ عند بعض الأشخاص شكل تعويض لنقص في الدرجة الإجتماعية أو الإقتصادية أو المهنية أو التعليمية.
  4. الطائفية:
  5. كانت الطائفية والزعامات القبلية في السابق خير طريقةٍ لقيادة الشعب السوداني لفترةٍ من الزمن, تجمع تحتها قبائل عديدة مما جعل في البلاد نوعاً من الوحدة وصماماً من التفكك واﻹقتتال.
  6. الحكومات العسكرية سواء كانت بقيادة الشيوعيين أو لاحقاً بقيادة اﻹسلاميين تعجلت في تفكيكها والقضاء عليها مما كان له الأثر السالب على الوحدة الداخلية, فالطائفية لم تكن شراً محضاً, وإن كان لا بد من القضاء عليها فليكن تدريجياً فالتعليم وزيادة الوعي الديني والثقافي والتقدم والحضارة كفيلة بالتقليص منها.
  7.  العادات والتقاليد السودانية:
  8. هي محصله تفاعل الإسلام مع هذه العادات والتقاليد القبليه والشعوبية المحلية السابقة لدخوله, فالإسلام لم يلغها بل حددها كما يحد الكل الجزء, فكان بمثابة إضافة أغنتها وأمدتها بإمكانيات جديدة للتطور.
  9. مصادرها متعددة بعضها خارجي بالتداخل مع دول الجوار, فالمجتمع المصري هو الإكثر تأثيراً علينا لأن حضارته تفوق حضارة بقية دول الجوار والأكثر إرتباطاً بنا مثال ذلك الختان الفرعوني.
  10. أما المصادر الداخلية فمنبعهاالعادات والتقاليد التي إبتدعها المجتمع السوداني ذاته ومرجعها علاقات الانتماء المتعددة للشخصية السودانية
  11. عوامل ثقافية وفكرية:
  12. التخلف الحضاري: يعاني المجتمع السوداني من التخلف الحضاري ( ثقافي , علمي , فكري) والذي أقعده عن توظيف إمكانياته المادية والبشرية المتاحة فعلاً لإشباع حاجاته أو حل مشاكله المتجددةلقلة الوعي والثقافة والتعليم,فالسودانيون عاجزون ذاتياً عن معرفة الحقيقة الاجتماعية لذات المشاكل التي يعانوها أو معرفة حلولها، أو لا يعرفون العمل المناسب لتنفيذ تلك الحلول, وتتفاوت درجته حسب بيئة العمل, طبيعة محل الإقامة ومدى الإنفتاح أو الإنغلاق.
  13. التنوع القبلي والثقافي: هذا التنوع الثقافي والقبلي في السودان هو الإكبر على مستوى العالم وهو سلاح ذو حدين أذا تم إدارته والتعامل معه بكفاءة وجدية سوف تكون نتائجه إيجابية والعكس صحيح.    
  14.  الإعلام والفن: هما الوسيلتان الأكثر والأسرع تأثيراً , وتقومان بدور مزدوج فأثرهما داخلي وخارجي , داخلي بحيث تساعدان في عملية التربية والتنشئية داخل مجتمعنا السوداني وخارجي بعكس ونقل حضارتنا وثقافتنا للعالم الخارجي, ففي السودان دورهما غائب لضعف أهتمام الدولة بمؤسساتهما المختلفة وضعف المادة والكوادر, فأعمال ثقافية وفنية من (مسرح أو فن) يمكنها ان تلعب دوراً كبيراً في بناء الإنسان وفي محاربة القبلية والعنصرية ويكون تأثيرها أكبر بكثير من الدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات أخرى كالمسجد مثلاً.
  15. الهجرة والتداخل والتعايش مع الثقافات الأخرى ( الإحتكاك): هجرة الكوادر والعقول المناط بها بناء الدولة السودانية الحديثة إلى دول الخليخ وغيرها ..التداخل والتعايش مع الشعوب الأخري والإنفتاح عليها يساعد كثيرا في تطوير الفكر والسلوك البشري فتنمو روح التنافس وبالتالي يأتي الإتقان والتجويد, فالسودانيين للأسف منذ الإستقلال لم تتاح لهم هذه الفرصة لضعف السياحة .. الهجرة الكبيرة والغير شرعية لبعض الجاليات الإجنبية من دول الجوار مثل أثيوبيا وكذلك دول غرب إفريقيا ساهمت في إنتشار العديد من مظاهر السلوك السلبي (كالمخدرات, جرائم السرقة والقتل والإنتحار …الخ).
  16. الأمثال الشعبية السودانية: هي إنعكاس لسلوك وثقافة ومكونات وصفات مجتمعنا وهي أيضاً تعبير عن الدوافع التي تحرك في الإتجاه الإيجابي اوالسلبي, فالأمثال السودانية تغلب عليها السلبية, ومنها على سبيل المثال: (إن كترت عليك الهموم إندمدم نوم), (الشغل لو بنتهي كان جابو ليهو مقاول), (الباب البجيب الريح سدو واستريح), (درب السلامة للحول قريب), (أنا وأخوي على إبن عمي وأنا وإبن عمى على الغريب), (الفاتك فوتو),( بكرة يحلها الف حلال), (الما بتلحقو جدعو). وفيما يلي بعض النماذج لأمثال شعبية إيجابية تصلح لحل كثير من السلوكيات السالبة: (اليابا الصلح ندمان), (كترة العتاب جفا), (الطمع فحل العيوب), (كاتل الروح وين يروح) (الكرم يغطي سعبة عيوب).
  17. البيروقراطية: وهي الإفراط في إستخدام اللوائح مع إهمال المضمون تستغلها فئة من الموظفين لممارسة الذل والاستبداد على الناس والرشوة والفساد . ولا يمكن مقاومتها إلا بمنح الشعب حق الشكوى ،لا بمنح الموظفين حق الحصانة ضد الشكوى.
  18. الإستعمار والتغريب: التغريب هو الشعور المستقر بالإنتماء إلى الحضارة الغربية، التي هي علمانية في موقفها من الدين، فردية في موقفها من المجتمع، ليبرالية في موقفها من الدولة، رأسمالية في موقفها من الاقتصاد, ولقد عمل الإستعمار علي نشره في مجتمعنا. وينقسم إلى مرحلتين:
  19.  التغريب القديم (الإستعمار): ومرجعه أن برامج التربية والتعليم، والثقافة والإعلام كانت لفترة طويلة من وضع القوى الإستعمارية لخدمة غاياتها. بالإضافة إلى إتاحتها الفرصة للعناصر المتفوقة من المتعلمين لإكمال ثقافتهم في معاهدها، وجامعاتها عن طريق البعثات. ثم العودة والتبشير بالثقافة الغربية, فتصبح عقولهم مكبلة بقيود هذه الثقافة التي صاغها المستعمرون.
  20.  التغريب الجديد (العولمة): مرجعه الإستعمار الذي يقوم على السيطرة الثقافية بواسطة الإعلام، والفكر، والثقافة، والفن حيث يقدم من خلالها أسلوب الحياة الغربية على أنها أسلوب الحياة الأمثل لكل المجتمعات. وهو ما يشكل البعد الثقافي أو الحضاري للعولمة.
    فالتغريب إذاً بمرحلتيه هو أن تصوغ المذاهب والقيم الغربية حياة قطاع من الناس.
  21. عوامل سياسية:
  22. ظاهرة عدم الإستقرار السياسي والتبادل المستمر مابين (عسكرية- مدنية) التي لازمت التاريخ السوداني منذ فترة الحكم التركي حتى الأن , وإنتشار الحروب الأهلية ساهمت في تشكيل وصياغة الشخصية السودانية المعاصرة بكل سلبياتها التي سلف ذكرها.
  23. هذه التقلبات السياسية خلقت عدم إستقرار إدري بكل مؤسسات الدولة ( كل نظام أو حزب يأتي بأتباعه) مما ساعد على إنهيار الخدمة المدنية وتفشي أمراض كالفساد والمحسوبية والرشوة داخل هذه المؤسسات.
  24. عدم وجود دستور دائم للسودان منذ الإستقلال متفق عليه من قبل القوى السياسية خلق نوع من الفوضى التشريعية والقانونية, فأصبح هنالك الكثير من الثغرات الدستورية تعالج أحياناً بالمراسيم الدستورية المؤقتة أو بالتحايل مما ساهم في تكرس حكم الفرد على حساب المؤسسات التشريعية الهشة القائمة, كما ساعد على كثرة الإنقلابات العسكرية.
  25. عوامل إقتصادية:
  26. يعانى المجتمع السوداني من التخلف الإقتصادي المتمثل في عجزه عن الإستغلال الأمثل لموارده المادية والبشرية الكبيرة والمتاحة له لإشباع حاجاته المادية والمعنوية المتجددة.
  27. كان الإقتصاد السوداني عبارة عن إقتصاد قبلي جماعي بسيط مكتفى بذاته غير مستند إلي العلم أو التقنية وغير مرتبط بالإقتصاد العالمي مما كان له الأثر على شخصية الإنسان السوداني , فالإنسان ينشط بقدر طموحه والتحدي الذي يواجهه.
  28. منذ الإستقلال ظل نظام الإقتصاد في السودان يبحث عن هويتة الإسلامية الضائعة وظل يتأثر تأثيراً مباشراً بالتقلبات السياسية وأنظمة الحكم فتارةً إشتراكي ماركسي وتارةً أخرى راسمالي غربي مما أفقده التوازن وعدم الإستقرار وأبعده من دائرة التنافس العالمي , وأقعده عن ممارسة دوره الإجتماعي والتربوي لتنمية وتطوير إنسان السودان.   
  29. فشل النظام الإشتراكي في تحقيق نقلة تنموية وإجتماعية لبعده عن الديمقراطية وإستناده إلي البيروقراطية وإنحيازه إلي الجماعية( لا الإجتماعية) تأثراً بالماركسية وما تفرزه من تواكلية .
  30.  أما النظام الرأسمالي فهو مصدر الأنانيه والفردية ساهم في إفساد كل مكونات المجتمع ففي الاسره نجد (المشاكل الأسريه، التفكك الأسرى، ارتفاع نسبه الطلاق,…) وفي العلم نجد ( تحول العلم إلى تجاره) وفي الفكر نجد ( إتخاذ المفكرين لموقف الدفاع عن الواقع ، بدلاً من إتخاذ موقف الدعوة إلي تغييره بتقديم حلول للمشاكل التي يطرحها..) وفي الأخلاق نجد ( التدهور الأخلاقى في كافه مجالات الحياة)… الخ.
  31.  إنعكاس الوضع الإقتصادي علي تكرييس بعض الجوانب السلبية لدى الشخصية لأن الإنسان الذي يقضي كل وقته ركضاً وراء اللقمة نجده مشغول بالهموم اليومية ومبتعد عن هموم الأمة التي ينتمي إليها ، وبالتالي يكون ذلك خصماً علي الإمكانات والملكات الموجبة الموروثة والمكتسبة عنده.
  32.  العوامل ذات البعد التربوي:
  33. يعتبر العامل التربوي هو الأكثر تأثيراً على تكوين شخصية الإنسان لأن تأثيره يبدأ منذ مراحل النمو الأولى للطفل داخل الأسرة لذا تعتبر الأسرة النواة الأولى لبناء الشخصية.
  34. فالتربية هي عمليه رعاية وتنميه ومتابعه لتكوين ونمو الشخصية بكل مكوناتها الفسيولوجية والعقلية والاجتماعية والصحية والغذائية من قبل ولادتها حتى إكتمال تكوين هيكلها الإساسي، فكل ما يكتسبه الإنسان بعد ذلك ويتميز به هو بناء حول هذا الهيكل لا يقوم معتدلاً أومستقراً إلا بقدر إتفاقه نوعاً وكمّاً مع الهيكل الأساسى للشخصية ,
  35.   فالتربية العلمية قائمة على التخطيط لطرق وأساليب التربية طبقا لمعرفتنا بقوانين نمو الشخصية، وحركه الإنسان، بينما التربية السودانية التقليدية تقوم على أساس أسلوب التجربة والخطأ أي محاوله تحقيق الأهداف التربوية بدون معرفه سابقه بقوانين حركه الإنسان وطرق استخدامها فان لم تنجح المحاولة(الخطأ)نحاول بطريقه أخرى(نجرب) في ذات الطفل أو طفل أخر.
  36. للتربية بعدان موضوعي( الإلزام) مصدره ضوابط المجتمع، وذاتي(الإلتزام) وهو داخل في تكوين الشخصية ذاتها, والتربية السودانية التقليدية تركز على البعد الموضوعي( الإلزام) وتقلل من قيمه العنصر الذاتي (الإلتزام) مما يؤدى إلى ضمور هذا البعد الذاتي الإيجابي للشخصية المتمثل في الإستقلالية في الرؤى والسلوك، الصراحة والوضوح في التعبير عن الآراء.
  37.  الأسرة السودانية لا تهيىء للطفل ما يمكنه من إبراز موهبته وتنميتها فى مرحلة النمو الأولى (من الثانية حتى الخامسة) من عمره فتضيع منه فرصة إبراز وتنمية الموهبة الفطرية التى بداخله ، فأسلوب القمع هو السائد لأطفالنا ومن الطبيعى أن تموت الميول الفطرية عندهم وتنمو وتترعرع عندهم ظواهر سالبة مثل الكذب والخوف وعدم الثقة بالنفس.
  38.  عوامل البيئة والمناخ المحيط :
  39. الإنسان نتاج بيئته ومن خلالها تجري عمليات تفاعل قوي الشر والخير (الذي الهمها فجورها وتقواها) فالقيادة والبرامج تكسبان الشخصية ملمحها وسمتها، البيئة المحيطة والنظام العامل يخلقان من الإنسان الكفاءة والفعالية أو الكسل والخمول، فالشخصية السودانية (كهف غير مكتشف) وما زالت قادرة على العطاء أذا توفرت لها البيئة المحفزة (مقابل مجزئ, تدريب وتأهيل مستمر, بيئة عمل جيدة). علينا التركيز علی البيئة المحيطة بالطفل منذ ولادته بدءً بالأسرة الصغيرة ثم الممتدة ومن قبلها حالة الأم قبل الوضوع ثم نوع التعليم والمدرسة التي يتلقی فيها تعليمه ثم بيئة العمل، لو تتبعنا هذه المراحل في السودان نجدها ملئية بالسلبيات والتناقاضات، فالطفل أحياناً يتعلم في المنزل شيئا ويجد في المدرسة شئ مناقض له , بل احياناً داخل المنزل نفسه قد يتعلم الطفل من الأب شئ ويجد عند الأم نقيض له. لذا من الضرورة أن يكون هنالك تجانس وتوافق بين الوالدين في تربية الأبناء حتی لا يحدث لهم نزاع داخلي ولا بد ان يكون دور المدرسة متكامل ومتجانس مع دور الاسرة، أي ضرورة التواصل بين الطرفين المنزل والمدرسة.                                       
  40. أما التاثير الجغرافي والمناخي فإنسان المناطق الباردة والمعتدلة يمتاز بالبرود وقلة الإنفعال والتعامل مع الأحداث بهدوء عكس إنسان المناطق الحارة الذي تجده كثير الغضب والإنفعال ومتهور في قرارته مثل مناخ السودان.                                            
  41.  عوامل تعليمية :
  42. يرى البعض أن مفهوم التعليم يتطابق مع مفهوم التربية، لكن الصحيح أن التربية أكثر شمولاً من التعليم، إذ أن التربية هي عمليه إكتساب القيم والمعارف، والتعليم عمليه إكتساب المعارف، وبالتالي فان التربية بالنسبة للتعليم بمثابة الكل للجزء تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه.
  43. ساد في السودان نمط من التعليم التقليدي ممثلاً فى الخلاوى، ثم جاء الاستعمار وعمل على إلغائها وإدخال التعليم الحديث وإعتمد سياسة الكيف والنوع على حساب الكم والتي تخدم أهدافه الإستعمارية.
  44. بعد الإستقلال حاولت الدولة عبر النظم المختلفة إعاده دور التعليم في بناء الشخصية الوطنية لكن كانت هناك جمله من المشاكل التي تحول دون أن يؤدى التعليم هذا الدور , ففي محاولة لحل مشكلة الكم تم التوسع في قبول الطلاب لكن على حساب الكيف والنوع والتي تم وضعها أساساً في الفترة الاستعمارية، وبعد الاستقلال حدثت محاولات للتغيير، لكن هذه المحاولات كانت جزئية وأدت إلى حدوث إختلالات منهجية.
  45. ما زال التعليم في السودان يستخدام الوسائل والطرق التقليدية (السبورة، طريقة الإلقاء) دون الاستعانة بالوسائل وطرق التعليم الحديثة والمتطورة، كما اتجه التعليم إلى سياسة الخصخصة وتحجيم الدعم الحكومي (ترك الصرف المالي عليه للمحليات) مما أدى إلى الإلغاء الفعلي لحق التعليم ونقض مبدأ المساواة وتكريس الطبقية التعليمية .
  46.  المناهج التعليمية ما زالت متخلفة وتفتقد العلمية ولا تهتم بالتربية الوطنية والتي هي صمام أمان للوحدة الداخلية للقضاء على العنصرية والقبلية.
  47.  في كثير من البوادي والقری تنتشر الأمية والجهل وفي بعض منها نجد الخلاوي بصورة أكبر من المدارس لذا فان دورها في التوعية أكبر. ولكن الخلاوی للأسف تخرج لنا حفظة للقرآن عبارة عن شريط مسجل لا يحملون أي فكر أو قيم يستفيد منها المجتمع. لأن القائمين علی أمرها يفقدون نفس الشئ كما يقول المثل فاقد الشئ لا يعطيه.

رابعاً: الشخصية السودانية ومنهج التغيير:

  1. منهج التغيير: التغيير لا يتم بالقفز على الواقع بل بالتدرج والإنتقال مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون وهذا لا يعنى إلغاء القيم الحضارية لهذه الشخصية ( والتي هيكلها الحضاري الإسلام) واستبدالها بقيم جديدة (كما يرى التيار التغريبي)؛ فمحاولة إجتثاث أي شخصية من جذورها محاولة فاشلة لن تؤدى إلا إلى حطام الشخصية نفسها, أذاً يبدأ التغيير بإلغاء هذه المظاهر السلوكية والفكرية السلبية وبإلغاء أسبابها.
  2. كيفية التغيير(التوصيات):
  3. التغيير الفكري والثقافي:
  4. نشر الأفكار التي تساهم في تأكيد القيم الحضارية الإسلامية وتطويرها، وإستيعاب ما لا يناقضها من قيم وأساليب وحلول من مجتمعات أخرى.
  5. مقاومة الأفكار التي تحاول إلغاء قيمنا الحضارية الإسلامية (العلمانية) أو الإبقاء على المتخلف منها(التطرف) والذي يحول دون أن يسهم في بناء الشخصية المطهرة من المظاهر السلبية.
  6. محاربه التفكير البدعى (التفكير الخرافي والإسطورى) وتشجيع التفكير الإجتهادي والتفكير العلمي والعقلاني الذي لا يتناقض مع ثوابت الدين.
  7.  محاربة الأفكار الهدامة والمتطرفة ( الشيعة, والتكفيريين) والتي من شأنها تفتيت وحدة المجتمع.
  8. الإستفادة من التنوع الثقافي والقبلي لتطوير تراثنا الشعبي بما ينمي السلوك الإيجابي ويخدم مصلحة المجتمع.
  9. جعل الإعلام والنشاط الثقافي من أولويات الدولة في الميزانيات السنوية وتوجيه برامجها لغرس القيم الحضارية , مع الإهتمام بتأهيل الكوادر الفنية.
  10. المحافظة على الموروثات الإيجابية من العادات والتقاليد والأمثال الشعبية السودانية وتطويرها لخدمة المجتمع ومحاربة السالب منها والذي يتنافى مع تعاليم ديننا.
  11. التغيير السياسي:
  12. العمل على مقاومه الإستبداد بالوسائل السلمية( الجهاد المدني) .
  13.  توسيع هامش الحريات المتاح في النظم الإستبدايه.
  14.  الحوار بين التيارات المختلفة للإلتقاء على ما هو مشترك من ثوابت الأمة.
  15. تخليص الديمقراطية من الليبرالية (العلمانية والرأسماليه والفردية) لضمان سلطة الشعب ضد إستبداد الحكام, وذلك بالديمقراطية ذاتها لا بإلغائها, ومع وجوب مراعاة الظروف الخاصة  بمجتمعنا السوداني عند تطبيقها.
  16. التغيير الاقتصادي:
  17. التقدم والتطور الإقتصادي والتنمية المستقلة والعداله الإجتماعية .
  18. التأكيد على دور الدولة في الاقتصاد مع العمل على إصلاح القطاع العام و تطهيره من البيروقراطية والفساد.
  19. توجيه إستثمارات القطاع الخاص والإستثمار الأجنبى نحو المجالات الإنتاجيه التي تحقق الفائدة للمجتمع لا المجالات الإستهلاكية على حساب المجتمع.
  20. تشجيع الصادرات برفع الضرائب والجبايات عنها وتسهيل الإجراءات لكي تتمكن المنتجات السودانية من المنافسة في الأسواق العالمية. 
  21. التنمية المتوازنة بين الولايات المختلفة وتوفير الخدمات الأساسية (تعليم, صحة) لمحاربة الفقر ووقف الهجرة للمدن.
  22. القضاء التام على ظاهرة التجنيب داخل مؤسسات الدولة دون إستثناء لأي جهة.
  23. تقديم الدعم مع التشجيع للإستثمار في مجال الزراعة والتصنيع الزراعي على إعتبار أن السودان دولة زراعية في المقام الأول.
  24.  تفعيل مؤسسات المجتمع المدني(كالنقابات والمنظمات الطوعية) بإعتبارها أحد ضمانات تحقيق الغايات والأهداف المطلوبة.
  25.  زيادة حجم التمويل الأصغر وتوسيع دائرة نشاطه مع التركيز على دعم النشاط  الزراعي.
  26.  نشر ثقافة تحقيق الإكتفاء الذاتي للأسر بتشجيع الزراعة المنزلية وتربية الأسماك , الدواجن والمواشي وإنتاج الألبان مع تقديم الدعم المادي والعلمي اللازم عبر مؤسسات المجتمع المدني بالتنسيق مع المحليات.
  27.  التوظيف الصحيح والأمثل لموارد المؤسسات الإجتماعية كديوان الزكاة لدعم الفقراء والشرائح الضعيفة وضمان وصول نشاطها للمناطق النائية في الريف والقرى.


  • التغيير التشريعي والقانوني:
  • إقرار دستوار دائم يتفق عليه كل أهل السودان يبين الحقوق والواجبات تكون السلطة العليا فيه للشعب دون وصاية من أحد.
  • تهيئه المجتمعات المسلمة لتطبيق النظام القانوني الإسلامي بنشر الوعي بالإسلام كعقيدة وشريعة وفكر.
  • الإجتهاد في فروع الشريعة المستندة إلي النصوص ظنية الورود والدلالة مع إتخاذ الإجتهادات الفقهيه في هذا المجال نقطه بداية لا نقطه نهايه للإجتهاد الفقهي.
  • العمل على أن يقوم النظام القانوني الإسلامي على حل للمشاكل التي يطرحها واقعنا الزماني والمكاني.
  • الإستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى في المجال القانوني ما لم تناقض أصل من أصول الشرع.
  • العمل على توفير الشروط الموضوعية السياسية (الشورى) والإقتصادية (التنمية) والإجتماعية( العدل) لتطبيق نظام القانون الإسلامي مع التدرج في تطبيقه.
  • إقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس أمام القضاء دون تمييز بين حاكم أو محكوم.
  • إلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات, والتي تكرّس لحكم فرد أو حزب معين.
  • التغيير التربوي والتعليمي:
  • الأخذ بالأسلوب العلمي في التربية والتعليم، وذلك بالتخطيط التعليمي من خلال وضع نظريه تربوية تحدد أهداف ووظائف التعليم.
  • تأكيد حق التعليم وديمقراطيته ومجانيته (المجانية الفعلية) وإلزامية التعليم الأساسى.
  • تحقيق التوازن بين الكم والكيف.
  • تفعيل دور مؤسسات التعليم في خدمه المجتمع من رعاية صحية، إرشاد وتوجيه، محو الأميه وتعليم الكبار, تثقيف أمهات.
  • تطوير الكوادر التعليمية عبر التدريب والتأهيل المستمر بمافي ذلك الجامعية.
  • إستحداث أساليب تعليم حديثة تساهم في تطوير التعليم وأدواته.
  • الإهتمام بتجربة مدارس الموهبين القائمة حالياً ودعمها مالياً وتأهيل كوادرها لتقوم بدورها في إعداد قادة المستقبل.
  • العمل على تعريب التعليم العالي، بما لا يتناقض مع تدريس اللغات الأخرى أو الإتصال بالعالم الخارجي والإسهامات العلمية للمجتمعات الأخرى بشرط توفير شروطه من توفير الكتاب المعرب ، والترجمة المستمرة للكتب العالمية.
  • الاستفادة من الخبرات العالمية في تطوير التعليم بما لا يتناقض مع القيم الحضارية للأمة.
  • إدخال المناهج التربوية التي تنمي الروح الوطنية والدينية وتدعو للوحدة ونبذ الخلاف والتعصب القبلي ضمن مناهج التعليم المدرسي.
  • التغيير الإجتماعي:
  • التدرج في محاربة الطائفية والقضاء عليها عن طريق التعليم وزيادة الوعي الديني والثقافي.
  • تفعيل الدور الإيجابي للقبيلة كالتضامن والتكافل ومساعدة ذوي القربى ومحاربة السالب منها كالعنصرية والمحسوبية وغيرها.
  • جعل السلوك الإيجابي الذي يمارسه الفرد داخل دور العبادة سلوك عام يمارسه في كل مناحي الحياة.
  • التأكيد على دور الأسرة الأساسي في بناء الشخصية بإعتبارها النواة الأولى لتشكيلها.
  • ضرورة تأهيل وتثقيف أولياء الأمور وبصفة خاصة الأم(مع التركيز على الريف) لضمان أنتهاج منهج علمي وحضاري في تربية أبنائهم.
  • أتاحة الحريات والشورى داخل الأسرة وتنمية المواهب يخلق جيل ذو مقدرات وطموحات عالية واثق من نفسه يقود التغيير المطلوب.
  • محاربة برامج الأطفال التلفزيونية الهدامة (أفلام الكرتون) عبر توفير البديل الهادف والجاذب لنقلهم من الحالة السلبية إلى الإجابية.
  • الجدية في محاربة التدفق الإجنبي الغير شرعي على البلاد وحصر الوجود الحالي لتوفيق أوضاعهم أو ترحيلهم حسب الحالة, وحصر دائرة عملهم فيما تحتاجه الدولة.
  • الخدمة المدنية:
  • الإهتمام بالتدريب والتأهيل وتوفير ميزانيات مقدرة له وتشجيعه عبر الحوافز.
  • التوظيف السليم للكوادر بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب وإقرار مبدأ الكفاءة الإدارية والعلمية والفنية كأساس للتوظيف لا الحزبية ولا الجهوية.
  • تفعيل القوانين والنظم واللوائح لضبط العمل الإداري داخل مؤسسات الدولة ولمحاربة المظاهر السالبة من تسيّب , فساد , رشوة , محسوبية ومجاملات….الخ.
  • إقرار مبدأ المسآلة والمحاسبة عند الخطأ أو الإهمال وتنفيذ العقوبات المطلوبة بلا مجاملة.
  • المساواة بين وزارات ومؤسسات الدولة المختلفة من حيث الأصول (مباني، مركبات، أثاث .. الخ) ومن حيث حقوق الموظف (راتب، بدلات، ترحيل، بيئة عمل .. الخ) وذلك حسب  الدرجة الوظيفية دون إعتبار لنوع الوزارة أو المؤسسة.  
  • محاربة الإجراءات البيروقراطية داخل مؤسسات الدولة بتفعيل النظم ودمج المراحل لتقليل دورة المستند.
  • السعي الجاد للبدء في تطبيق النظام الإلكتروني داخل مؤسسات الدولة (الحكومة الإلكترونية) لتبسيط وتسريع الإجراءات.
  • إقرار مبدأ حق المواطن في تقديم شكوى للجهات المسئولة ومقاضاءة أي موظف حكومي يقصر في أداء واجبه تجاهه.
  • بث روح التفاني وتجويد الأداء لدى موظف الخدمة المدنية، مع ضرورة معرفته لدوره كموظف حكومي نال هذا الموقع لخدمة المواطن وليس العكس.     
  • التغيير الديني:
  • تفعيل المساجد للقيام بدورها السابق في تنشئية الأجيال وتربيتهم على خلق الإسلام عبر المناشط الثقافية والتربوية وحلقات الذكر والتلاوة.
  • جعل الخلاوي تحت رعاية جمعيات القرآن الكريم لتأهيلها مادياً وفنياً للقيام بدور تربوي وتثقيفي بجانب حفظ القرآن.
  • الإستفادة من منظمات المجتمع المدني (جمعيات, أندية رياضية أو ثقافية, منظمات طوعية …الخ) للقيام بدور أيجابي وكبير في نشر ثقافة وتعاليم الدين الإسلامي.
  • الإستفادة من التقنيات الحديثة في التواصل ( فيس بوك , وأتساب …الخ) لبث القيم الفاضلة والتعاليم الدينية.

أخيراً: الخاتمة

التصنيفات: قسم المقالات

0 تعليق

اترك تعليقاً

عنصر نائب للصورة الرمزية (Avatar)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *